الآلوسي

85

تفسير الآلوسي

رضي الله تعالى عنهم ، وأيد بأنّ يوم النحر وقت لركن من أركان الحج - وهو طواف الزيارة - وبأنه فسر يوم الحج الأكبر بيوم النحر ، وعند مالك الشهران الأولان وذو الحجة كله عملاً بظاهر لفظ الأشهر ، ولأنّ أيام النحر يفعل فيها بعض أعمال الحج من طواف الزيارة ، والحلق ، ورمي الجمار ، والمرأة إذا حاضت تؤخر الطواف الذي لا بد منه إلى انقضاء أيامه بعد العشرة ، ولأنه يجوز - كما قيل - تأخير طواف الزيارة إلى آخر الشهر - على ما روي عن عروة بن الزبير - ولأن ظواهر الأخبار ناطقة بذلك ، فقد أخرج الطبراني والخطيب وغيرهما بطرق مختلفة " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عدّ الثلاثة أشهر الحج " وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن عمر رضي الله تعالى عنه مثل ذلك . وعند الشافعي رضي الله تعالى عنه الشهران الأولان وتسع ذي الحجة بليلة النحر لأنّ الحج يفوت بطلوع الفجر من يوم النحر ، والعبادة لا تكون فائتة مع بقاء وقتها ، قاله الرازي ، وفيه أنّ فوته بفوت ركنه الأعظم - وهو الوقوف - لا بفوت وقته مطلقاً ، ومدار الخلاف أنّ المراد بوقته وقت مناسكه وأعماله من غير كراهة وما لا يحسن فيه غيره من المناسك مطلقاً - أو وقت إحرامه - والشافعي رضي الله تعالى عنه - على الأخير - والإحرام لا يصح بعد طلوع فجر يوم النحر لعدم إمكان الأداء ، وإن جاز أداء بعض أعمال الحج في أيام النحر ، ومالك على الثاني فإنه - على ما قيل - كره الاعتمار في بقية ذي الحجة ، لما روي أنّ عمر رضي الله تعالى عنه كان يخوّف الناس بالدرّة وينهاهم عن ذلك فيهن ، وإنّ ابنه رضي الله تعالى عنه قال لرجل : إن أطعتني انتظرت حتى إذا هلّ المحرم خرجت إلى ذات عرق فأهللت منها بعمرة . والإمام أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه على الأول لكون العاشر وقتاً لأداء الرمي والحلق وغيرهما ، وغيرها من بقية أيام النحر - وإن كان وقتاً لذلك أيضاً - إلا أنه خصص بالعشر اقتضاءاً لما روي في الآثار من ذكر العشر ، ولعل وجهه أنّ المراد الوقت الذي يتمكن فيه المكلف من الفراغ عن مناسكه بحيث يحل له كل شيء وهو اليوم العاشر وما سواه من بقية أيام النحر ، فللتيسير في أداء الطواف ، ولتكميل الرمي ، والأشهر مستعمل في حقيقته إلا أنه تجوز في بعض أفراده ، فإن أقل الجمع ثلاثة أفراد عند الجمهور فجعل بعض من فرد فرداً ثم جمع ، وقيل : إنه مجاز فيما فوق الواحد بعلاقة الاجتماع ، وليس من الجمع حقيقة بناءاً على المذهب المرجوح فيه لأنه إنما يصح إطلاقه على اثنين فقط ، أو ثلاثة - لا على اثنين - وبعض ثالث ، والقول - بأن المراد به اثنان والثالث في حكم العدم - في حكم العدم ، وقيل : المراد ثلاثة ، ولا تجوز في بعض الأفراد لأن أسماء الظروف تطلق على بعضها حقيقة لأنها على معنى - في - فيقال : رأيته في سنة كذا أو شهر كذا أو يوم كذا وأنت قد رأيته في ساعة من ذلك - ولعله قريب إلى الحق - وصيغة جمع المذكر في غير العقلاء - تجي - بالألف والتاء . * ( فَمَن فَرَضَ ) * أي ألزم نفسه * ( فيهنَّ الْحَجَّ ) * بالإحرام ، ويصير محرماً - بمجرد النية - عند الشافعي لكون الإحرام التزام الكف عن المحظورات فيصير شارعاً فيه بمجردها كالصوم ، وعندنا - لا - بل لا بد من مقارنة التلبية لأنه عقد على الأداء فلا بد من ذكر كما في تحريمة الصلاة ، ولما كان باب الحج أوسع من باب الصلاة كفى ذكر يقصد به التعظيم سوى التلبية - فارسياً كان أو عربياً - وفعل كذلك من سوق ( الهدي ) أو تقليده ، واستدل بالآية على أنه لا يجوز الإحرام بالحج إلا في تلك الأشهر ، كما قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنه وعطاء وغيرهما إذ لو جاز في غيرها - كما ذهب إليه الحنفية - لما كان لقوله سبحانه : * ( فيهن ) * فائدة ، وأجيب بأنّ فائدة ذكر * ( فيهن ) * كونها وقتاً لأعماله من غير كراهية فلا يستفاد منه عدم جواز